بتحسي أحيانًا إنك مش مركزة؟ إنك بتسمعي شخص قدامك لكن عقلك في مكان تاني؟ إنك تبدأي حاجة بحماس كبير وبعدها تلاقي نفسك انتقلتي لحاجة ثانية؟ أو تحسي إن عندك طاقة كبيرة ومش قادرة تقعدي ثابتة؟
يمكن طول حياتك سمعتي كلام زي: "إنتِ مهملة." "إنتِ مش مركزة." "إنتِ ذكية بس مش بتستغلي ذكاءك." "لو ركزتي شوية كنتِ هتعملي حاجات أكبر."
ومع الوقت ممكن الإنسان يبدأ يصدق إن المشكلة فيه هو، وإنه فقط شخص كسول أو غير منظم.
لكن ماذا لو المشكلة لم تكن في شخصيتك؟
ماذا لو عقلك فقط يعمل بطريقة مختلفة؟
هنا يأتي اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ADHD.
طبعًا هذا المقال ليس تشخيصًا طبيًا، لأن معرفة وجود ADHD تحتاج تقييمًا من مختص، وليس مجرد اختبار على الإنترنت. لكن الهدف هو فهم تجربة أشخاص عاشوا سنوات وهم يلومون أنفسهم، قبل أن يكتشفوا أن هناك تفسيرًا لما يحدث معهم.
ما هو ADHD؟
ADHD هو اضطراب يؤثر على طريقة تنظيم الانتباه والطاقة والتحكم في الاندفاع. وليس معناه فقط أن الشخص كثير الحركة؛ فبعض الأشخاص يظهر لديهم في صورة تشتت ونسيان وصعوبة تنظيم الوقت، والبعض يظهر لديهم في صورة حركة زائدة أو اندفاع.
والأهم أن الشخص الذي لديه ADHD لا يعني أنه لا يستطيع التركيز، بل إن التحكم في التركيز يكون مختلفًا. قد يجد صعوبة في التركيز على شيء ممل بالنسبة له، لكنه عندما يحب شيئًا قد يدخل في حالة تركيز شديد جدًا وينسى الوقت، وهذا يسمى Hyperfocus.
الجانب الطبي: ماذا يحدث في الدماغ عند وجود ADHD؟
اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ADHD (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder) هو اضطراب نمائي عصبي، يعني أنه مرتبط بطريقة نمو وعمل الجهاز العصبي، وليس بسبب قلة التربية أو الكسل أو ضعف الشخصية.
في دماغ الشخص الذي لديه ADHD توجد اختلافات في طريقة تنظيم بعض الوظائف التنفيذية، وهي المهارات التي تساعد الإنسان على:
التخطيط.
ترتيب الأولويات.
بدء المهام وإنهائها.
إدارة الوقت.
التحكم في الانتباه.
تنظيم المشاعر وردود الفعل.
ويرتبط ADHD بعمل بعض المواد الكيميائية في الدماغ، خصوصًا الدوبامين والنورإبينفرين، وهما من المواد المهمة في تنظيم الانتباه والتحفيز والمكافأة. لذلك قد يجد الشخص المصاب صعوبة في التركيز على شيء لا يثير اهتمامه، بينما يستطيع التركيز بشكل شديد عندما يكون الأمر ممتعًا أو يحمل تحديًا بالنسبة له.
أنواع ADHD
ليس كل الأشخاص لديهم نفس الشكل من الاضطراب، فهناك أنماط مختلفة:
1- النمط الغالب عليه تشتت الانتباه: يظهر في صورة:
النسيان المتكرر.
فقدان الأشياء.
صعوبة متابعة التفاصيل.
الشرود.
تأجيل المهام.
صعوبة تنظيم الوقت.
2- النمط الغالب عليه فرط الحركة والاندفاع: قد يظهر في صورة:
الحركة المستمرة
صعوبة الجلوس لفترات طويلة.
التحدث كثيرًا.
مقاطعة الآخرين.
التصرف بسرعة قبل التفكير.
3- المختلط: يجمع بين أعراض التشتت وفرط الحركة والاندفاع.
لماذا لا يُكتشف ADHD دائمًا في الطفولة؟
رغم أن ADHD يبدأ غالبًا في مرحلة الطفولة، إلا أن بعض الأشخاص لا يتم اكتشافه إلا في المراهقة أو البلوغ.
خصوصًا عند البنات، لأن الأعراض قد تكون أقل وضوحًا من صورة الطفل كثير الحركة. أحيانًا يظهر الأمر في صورة:
أحلام اليقظة.
التشتت.
الحساسية الزائدة تجاه النقد.
المجهود الكبير المبذول للحاق بالآخرين.
الشعور الدائم بأن الشخص "يحاول أكثر من اللازم".
لذلك قد يكبر بعض الأشخاص وهم يظنون أن المشكلة في شخصيتهم، قبل أن يكتشفوا أن هناك تفسيرًا علميًا لما يحدث.
كيف يتم التشخيص؟
تشخيص ADHD لا يتم عن طريق تحليل دم أو أشعة، ولا يعتمد على اختبار واحد على الإنترنت.
عادة يعتمد المختص على:
تاريخ الأعراض منذ الطفولة.
تأثيرها على الدراسة أو العمل والعلاقات.
مقابلات وتقييمات متخصصة.
استبعاد أسباب أخرى قد تسبب أعراضًا مشابهة مثل بعض اضطرابات النوم أو الضغط النفسي.
والهدف من التشخيص ليس وضع "اسم" على الشخص، بل فهم احتياجاته والحصول على الأدوات المناسبة.
رحلة الاكتشاف : من انا المشكلة إلى أنا افهم نفسي
منذ الطفولة، كانت الصورة التي يراها الناس واضحة:”
"بنتكم شقية." "رغاية." "مش بتسكت." "مجننة الفصل." "مش مركزة."
ومع تكرار هذه الجمل لسنوات، بدأت تصدقها.
بدأت تعتقد أنها ليست من الطلاب المتفوقين، وأن هناك شيئًا ناقصًا فيها، وأنها فقط لا تبذل مجهودًا كافيًا.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
لم تكن طالبة فاشلة، بل كانت مميزة جدًا في بعض الأشياء، وصعبة عليها أشياء أخرى.
وهذا كان أكثر شيء محيرًا.
كيف يمكن لشخص أن يكون ذكيًا جدًا في مادة، ويعاني في مادة أخرى؟
في الرياضيات مثلًا، كانت لا تستطيع التركيز داخل الفصل بالطريقة التقليدية، لكن في الامتحانات كانت تفاجئ الجميع بحلول صحيحة وطرق تفكير مختلفة عن الطريقة المعتادة.
كان بعض المدرسين يرون أنها ذكية، لكنهم كانوا يرون أيضًا أنها لا تستغل قدراتها بالكامل.
المشكلة لم تكن في الذكاء، بل في طريقة عمل العقل.
لحظة الانهيار التي أصبحت بداية التغيير
في تانية ثانوي، ومع صعوبة نظام الـ IB، وصلت الأمور إلى مرحلة صعبة جدًا.
كانت المشكلة في تنظيم كل شيء: متابعة المشاريع، ترتيب المهام، الالتزام بالمواعيد، والتركيز لفترات طويلة.
طلبت المدرسة اجتماعًا مع الأهل، وكان القرار المقترح هو نقلها إلى نظام أسهل لأنها أصبحت قريبة من الرسوب.
كان الأمر مؤلمًا جدًا.
ليس فقط بسبب الدراسة، لكن لأنها شعرت أن كل السنوات التي قضتها وهي تسمع أنها "غير مركزة" عادت مرة واحدة.
لكنها كانت تعرف من داخلها أنها ليست غير قادرة.
كانت تشعر أن هناك شيئًا آخر يحدث.
رفضت أن تكون هذه نهاية القصة، وطلبت فرصة تثبت فيها نفسها.
أول مرة سمعت فيها كلمة ADHD
وسط هذه الفترة الصعبة، سمعت لأول مرة مصطلح ADHD.
عندما بدأت تقرأ عنه، شعرت وكأنها تقرأ وصفًا لحياتها.
التشتت. كثرة الأفكار. صعوبة البدء في المهام. القدرة على التركيز الشديد في الأشياء التي تحبها.
لأول مرة فكرت: "يمكن المشكلة مش إني كسولة."
بدأت تبحث أكثر، لكنها كانت تخاف أن تخبر أهلها، لأن الوعي بالـ ADHD لم يكن منتشرًا، وكانت تخشى أن يعتبر البعض الأمر مجرد عذر.
لكنها لم تكن تبحث عن عذر.
كانت تبحث عن تفسير.
لحظة التشخيص: "أنا مش فاشلة"
لحسن الحظ، كانت المدرسة تحتوي على قسم لصعوبات التعلم.
ذهبت بنفسها، وتحدثت عن شعورها بأنها تستطيع أكثر من النتائج التي تحصل عليها.
تم توجيهها إلى مركز متخصص لإجراء التقييمات اللازمة.
وبعد التشخيص، جاءت لحظة غريبة جدًا.
كان هناك حزن على السنوات التي قضتها وهي تلوم نفسها، لكن كان هناك راحة أكبر.
لأول مرة فهمت أن المشكلة ليست أنها لا تريد النجاح.
هي فقط كانت تحتاج طريقة مختلفة.
عندما تغيرت الطريقة تغيرت النتيجة
بعد التشخيص، بدأت المدرسة توفر لها ترتيبات تساعدها على إظهار قدراتها، مثل وقت إضافي في الامتحانات، فترات راحة قصيرة، وتقليل المشتتات.
لم تكن هذه التسهيلات تجعل النجاح أسهل، لكنها كانت تزيل العوائق التي كانت تمنعها من تقديم أفضل ما لديها.
وبجانب ذلك بدأت العلاج السلوكي، وتعلمت كيف تنظم وقتها وتتعامل مع طريقة تفكيرها.
والنتيجة كانت صادمة للجميع:
من طالبة كانت على وشك الرسوب والخروج من نظام الـ IB…
إلى طالبة حققت المركز الرابع على الدفعة.
لم يتغير ذكاؤها.
ذكاؤها كان موجودًا طوال الوقت.
الذي تغير أنها فهمت نفسها.
أدوات ساعدتها في السيطرة على ADHD
مع الوقت اكتشفت أن النجاح لا يعتمد فقط على الإرادة، بل على بناء نظام يناسبها.
1- تنظيم البيئة
مكان مرتب، هاتف بعيد أثناء العمل، وتقليل المشتتات.
2- كتابة المهام
بدل أن تحمل كل الأفكار في رأسها، أصبحت تكتب ما عليها فعله وترتب أولوياتها.
3- روتين قبل المذاكرة
خطوات ثابتة قبل التركيز تساعد العقل على الدخول في حالة العمل.
4- الرياضة
الحركة تساعد على تفريغ الطاقة وتحسين القدرة على التركيز.
5- معرفة نقاط القوة
مثل الإبداع، التفكير المختلف، والقدرة على الدخول في حالة تركيز عميق عند وجود الشغف.
هل ADHD ضعف أم قوة؟
بعد هذه الرحلة تغيرت النظرة تمامًا.
لم يعد ADHD مجرد شيء يسبب المشاكل.
أصبح فهمًا لطريقة مختلفة في التفكير.
العقل الذي يرى الأشياء من زوايا مختلفة قد يكون عقلًا مبدعًا.
والشخص الذي يشعر بطاقة كبيرة يمكن أن يستخدمها في الإنجاز.
والشخص الذي يدخل في حالة شغف حقيقية يمكن أن يقدم نتائج مذهلة.
أحيانًا أكبر مشكلة ليست أن لدينا تحديًا، بل أننا لا نفهمه.
ADHD ليس عذرًا للفشل، وليس شيئًا يجب الخجل منه.
هو تحدٍ يحتاج إلى معرفة ودعم وطريقة مناسبة للتعامل.
قد تكون طوال حياتك تسمعين أنك مشتتة أو مختلفة…
لكن ربما الحقيقة أنك فقط تحتاجين أن تفهمي كيف يعمل عقلك.
لأن الشيء الذي ظننته نقطة ضعف…
قد يكون هو نفسه الشيء الذي يجعلك مختلفة ومميزة.



💗💗
👏👏👏👌💗