فكّر في حدثٍ مُحدد وقع خلال الأسبوعين الماضيين. إليك ما حدث معي: كنتُ في مقهى بالقرب من محطة كوفنتري مع زميلي، وكنتُ أبحث عن مناديل ورقية لأنني سكبتُ القليل من مشروبي.
والآن، فكّر في حدثٍ مُحدد من طفولتك. لقد اخترتُ أقدم ذكرياتي: وقوفي في مطبخ منزل جدتي، المجاور لمنزل طفولتي. كنتُ أنظر من النافذة مع جدتي وأمي بينما كانت حفارة تُزيل التراب من حديقة منزلنا، مُنشئةً منحدرًا يسمح بدخول المزيد من الضوء إلى النوافذ الخلفية للمطبخ.
حسناً، هل لديك ذكريات راسخة في ذهنك؟ ما هي وجهة نظرك تجاه كل من هاتين الذكريتين؟ في الذاكرة القريبة، أرى الأمر كما كنت أراه حين عشته، من داخل جسدي، أما في الذاكرة المبكرة فأراه كأنني فوق جسدي وخلفه، كأنني على السقف أنظر للأسفل. مع مرور الوقت، ستتغير تلك الذاكرة القريبة على الأرجح، فأراه أنا أيضاً من منظور مختلف. شئت أم أبيت، فإن طريقة عمل ذاكرتي تجعلني بطلة مسلسل تلفزيوني لا وجود له إلا في ذهني.
من خلال مقارنة الذكريات الحديثة والقديمة، يدرك الباحثون أن الفترة الزمنية التي انقضت منذ وقوع الحدث تُحدث فرقًا؛ فكلما كانت الذكرى أقدم، زاد احتمال تذكرها بصيغة الغائب (أي من منظور خارجي) بدلًا من صيغة المتكلم (أي كما لو كانت من داخل الشخص نفسه). كما أن للعاطفة دورًا في ذلك، لذا فإن التجارب السلبية والصادمة للغاية يُرجح تذكرها بصيغة المتكلم أكثر من التجارب الإيجابية للغاية. ويُعد محتوى الذكرى بحد ذاته مهمًا أيضًا، إذ إننا عادةً ما نتذكر أحداثًا معينة من زوايا نظر محددة:
من المرجح أن يتم تذكر المحادثة بصيغة المتكلم.
من المرجح أن يتم تذكر المشاركة في عرض جماعي كما لو كنا نشاهد أنفسنا من الأمام.
من المرجح أن يتم تذكر الدراسة كما لو تم النظر إليها من الأعلى.
إن رؤية الذات في الذكريات تجربة شائعة جدًا، وإن لم يمر بها الجميع، وبالتأكيد لا يمر بها جميعنا بنفس الدرجة. على سبيل المثال، من الممكن تمامًا أن يعيش المرء جزءًا من ذكرى ما بصيغة المتكلم وجزءًا آخر بصيغة الغائب. ويبدو أن هناك عنصرًا ثقافيًا يؤثر على وجهات نظرنا في الذكريات؛ فمثلاً، يميل سكان الدول الغربية كاليونان وكندا إلى رؤية الذكريات بصيغة المتكلم، بينما يميل سكان الدول الشرقية كبنغلاديش والفلبين إلى رؤيتها بصيغة الغائب.
بغض النظر عن الأعراف الثقافية، توجد جوانب في شخصية المسترجع تؤثر على المنظور الذي تُسترجع منه الذكرى. نميل إلى استخدام ضمير الغائب عند استرجاع ذكريات تتعارض مع نظرتنا الحالية لأنفسنا. على سبيل المثال، إذا كنا نفكر في أنفسنا في سياق عائلاتنا، فإننا نميل إلى استرجاع الأحداث العائلية بضمير المتكلم، والأحداث المتعلقة بالأصدقاء بضمير الغائب.
قد تؤثر الصحة النفسية أيضًا على منظور الذاكرة. يقضي المصابون باضطراب تشوه صورة الجسم (BDD) وقتًا طويلًا في القلق بشأن عيوب متوهمة في مظهرهم. عندما يتخيل المصابون بهذا الاضطراب أنفسهم وهم قلقون بشأن مظهرهم، فمن المرجح أن يروا أنفسهم بصيغة الغائب، بينما يميل غير المصابين إلى رؤية أنفسهم بصيغة المتكلم.
يختلف البشر أيضًا في قدرتهم على التخيل الذهني. يمكننا تقسيم التخيل الذهني إلى أنواع فرعية عديدة، لكن النوعين الأكثر أهمية هنا هما التخيل المادي، الذي يسمح لنا بتخيل شكل الأشياء، والتخيل المكاني، الذي يسمح لنا بتخيل العلاقات المكانية بين الأشياء. يرتبط إتقان التصور الذهني المكاني بتذكر أمور مثل ترتيب الأحداث، بينما يرتبط التصور الذهني للأشياء بتذكر تفاصيل كثيرة حول شكل وحجم الأشياء.
يبدو أن تخيّل المستقبل يشبه إلى حد كبير تخيّل الماضي. فإذا تخيلت الماضي بوضوح، فمن المرجح أن تتخيل المستقبل بوضوح أيضاً، وستجد نفسك في نفس الموقف تقريباً عند تخيّل أحداث مماثلة في الماضي والمستقبل إذا كنت تستخدم منظور الشخص الثالث. إن التفكير في المستقبل ليس إلا إعادة صياغة للماضي.
لماذا قد تفعل عقولنا هذا؟ ربما توجد أسباب متعددة:
الهدف هو توفير الطاقة: عادةً ما تكون الذكريات بصيغة المتكلم أكثر وضوحًا وغنىً بالتفاصيل، لذا قد نوفر الطاقة باسترجاع الذكريات الحديثة والمهمة فقط بصيغة المتكلم.
إنها نتاج حاجتنا لتحديث ذكرياتنا: فإذا استطعنا تحديث ما نتذكره عن الأحداث، فبإمكاننا استخدام هذه الخاصية لتخيّل كيف كانت ستسير الأمور بشكل مختلف، ولإجراء تغييرات على سلوكنا المستقبلي.
يساعدنا ذلك في الحفاظ على هوية ثابتة: نحن بذلك نبتعد حرفيًا عن الشخص الذي كنا عليه، مما يعني أن السلوكيات الماضية التي لم نعد نمارسها لا يصعب علينا تذكرها.
يساعدنا ذلك على تنظيم مشاعرنا: الابتعاد عن تجاربنا القديمة يُساعدنا على الحفاظ على اتزاننا العاطفي.
بالنسبة للذكريات الصادمة (اضطراب ما بعد الصدمة)، تميل الذكريات الارتجاعية إلى الحدوث بصيغة المتكلم، مما يبقيها حية. تعلمنا أن الذكريات القديمة غالبًا ما تُستحضر بصيغة الغائب، لكن هذا يحدث بوتيرة أبطأ بكثير للذكريات التي تُستعاد مرارًا وتكرارًا. ربما توجد طريقة لكسر هذه الحلقة؛ إذا حاولتَ عمدًا استرجاع ذكرى من منظور الشخص الثالث بدلًا من منظور الشخص الأول، فستُفقد بعض التفاصيل العاطفية بشكل دائم، مما يقلل من حدة الذكرى.


