[بداية الحكاية]
سلام عليكم.. تقريباً لا توجد جماعة في التاريخ كله كُتب عنها أو أُنتجت عنها أفلام مثل "جماعة فرسان الهيكل". ارتبط اسمهم عبر التاريخ بأمور غريبة وغامضة، مثل الاكتشافات التي قيل إنها ظهرت عند التنقيب تحت المسجد الأقصى، أو علاقتهم بأشهر الجماعات السرية على مر التاريخ. المشكلة أن قصصاً خرافية كثيرة أُلحقت بهم، لدرجة أن الحقائق ضاعت وسط تلك الضوضاء.
فرسان الهيكل، أو كما كانوا يسمون أنفسهم "جنود المسيح الفقراء"، قصتهم تشبه الأفلام السينمائية؛ فهي مزيج من الدين، الحرب، السياسة، المال، الخيانة، وأسرار لا يزال الناس حتى يومنا هذا يحاولون فك رموزها.
تسعة فرسان فقط قرروا تكريس حياتهم لحماية الحجاج المتوجهين إلى القدس. لكن هؤلاء التسعة، وفي أقل من قرنين من الزمن، أصبحوا جيشاً كاملاً، سيطروا على أراضٍ وقلاع من إنجلترا وفرنسا إلى سوريا وفلسطين. فضلاً عن أنهم كانوا من أشرس المقاتلين، يتصدرون الصفوف الأولى، حتى إن المؤرخين المسلمين -وهم أعداؤهم- شهدوا ببأسهم الشديد في الحرب.
لكن الأيام دول.. وبدل أن تُطوى صفحات تاريخهم، كانت نهايتهم درامية وتحولت لبداية أسطورة أكبر لا تزال تعيش بيننا حتى اليوم. تعالوا نرجع بالزمن حوالي 900 سنة، لنعرف حكايتهم من البداية، ونحاول فهم الحقيقة من الخيال في قصة تنظيم قد يكون مسؤولاً عن تغيير مجرى التاريخ الإنساني كله.
[بداية العصور الوسطى والحملات الصليبية]
في أواخر القرن الحادي عشر، كانت أوروبا تعيش فترة العصور الوسطى، فترة مليئة بالفقر والجهل والحياة القاسية على أغلب الناس. النظام الذي ساد كان النظام الإقطاعي؛ حيث يملك النبلاء والأمراء أراضي واسعة يعيش عليها الفلاحون، وللكنيسة سلطة روحية ومادية على كل شيء.
وفي الجانب الآخر من العالم، في الشرق، كانت قوة المسلمين في ازدياد، وخصوصاً بعد انتصار السلاجقة على الإمبراطورية البيزنطية في معركة "ملاذكرد". وقتها شعر الإمبراطور البيزنطي بالخطر الحقيقي وأرسل يستنجد بأوروبا ويطلب المساعدة. وهنا جاءت اللحظة التي غيرت تاريخ العالم؛ في سنة 1095 ميلادية، وقف البابا "أوربان الثاني" في مجمع "كليرمونت" الكنسي في فرنسا، وألقى واحدة من أشهر الخطب في التاريخ، الخطبة التي كانت الشرارة التي أشعلت نار الحروب الصليبية. دعا البابا الأمراء والفرسان وعامة الناس للتوجه إلى الشرق وتحرير الأراضي المقدسة والكنائس من يد المسلمين، ووعد كل من يشارك في الحرب بغفران كامل لذنوبه.
كانت الفكرة مغرية للجميع: بالنسبة للفرسان والأمراء كانت فرصة للمجد والثروة في أراضي الشرق الغنية، وللناس العاديين كانت فرصة للتوبة ودخول الجنة. انتشر الحماس كالنار في الهشيم، وبدأ الناس يرسمون الصليب على ملابسهم كعلامة على استجابتهم للدعوة. ومن هنا تحركت جيوش ضخمة من أوروبا ناحية الشرق في الحملة التي عُرفت باسم "الحملة الصليبية الأولى"، لتبدأ صفحة جديدة ودموية في تاريخ الصراع بين الشرق والغرب.
[تأسيس التنظيم]
سنة 1099م، وبعد حروب وحصار طويل، تمكنت جيوش الحملة الصليبية الأولى من الوصول للهدف الأكبر: مدينة القدس. كان دخولهم عنيفاً ودموياً، وحكى المؤرخون عن مذابح رهيبة حدثت للسكان المسلمين واليهود وحتى المسيحيين الشرقيين.
وبمجرد وصول الأخبار إلى أوروبا بأن القدس سقطت في يد المسيحيين، بدأت قوافل الحجاج تتحرك بالآلاف من كل مكان في أوروبا.. ناس تريد زيارة الأماكن المقدسة التي كانوا يحلمون بها. لكن الحلم تحول لكابوس بالنسبة لكثيرين؛ فصحيح أن الصليبيين كانوا مسيطرين على المدن الكبيرة مثل القدس ويافا وعكا، لكن الطرق التي تربط هذه المدن ببعضها كانت خارج سيطرتهم. كان الحجاج يتعرضون للسرقة والنهب، وكثير منهم كان يُقتل قبل الوصول للقدس، وبعض المؤرخين يقولون إن قطاع الطرق هؤلاء كانوا أحياناً جنوداً صليبيين أوروبيين. كانت مملكة القدس الجديدة لا تزال ضعيفة، وجيوشها غير كافية لتأمين كل هذه الطرق، وبدا واضحاً أن هناك مشكلة كبيرة تحتاج لحل.
في وسط حالة الفوضى والخطر التي كانت تحيط بطرق الحج، وفي سنة 1119م تقريباً، ظهر في القدس فارس فرنسي يدعى "هيو دي باينز". جمع هيو حوله ثمانية من رفاقه الفرسان وذهبوا لمقابلة ملك مملكة بيت المقدس وقتها "بالدوين الثاني"، وعرض عليه اقتراحاً جريئاً: هو ورفاقه سيؤسسون تنظيماً جديداً يجمع بين حياة الرهبان وقوة الفرسان المقاتلين، مهمتهم ستكون حماية قوافل الحجاج التي تسافر على الطرق الخطيرة، وسيتعهدون بالفقر والعفة والطاعة مثل أي راهب في الدير، لكن بدلاً من قضاء وقتهم في الصلاة، سيحملون السيوف ويدافعون عن الضعفاء.
وافق الملك بالدوين الثاني والبطريرك في القدس على الفكرة فوراً، ورأوا أنها حل للمشكلة الكبيرة التي تؤرقهم. لكن في البداية، كان الناس يتساءلون: كيف سيحمي تسعة فرسان آلاف الحجاج على طرق طويلة مليئة بالمخاطر؟ وكان السؤال في محله، وخصوصاً أن بداية التنظيم كانت متواضعة جداً.. كانوا فقراء حقاً! كانوا يعتمدون على التبرعات والصدقات من الحجاج، لدرجة أن شعارهم كان "فارسان يركبان حصاناً واحداً"، كدليل على أنهم لا يملكون حتى ثمن حصان لكل جندي. لم يكن أحد يتخيل أن هؤلاء التسعة سيكونون نواة لأقوى وأغنى تنظيم عسكري واقتصادي عرفه العالم في العصور الوسطى.
[المقر والسر الدفين]
بعد موافقة الملك بالدوين الثاني على تأسيس التنظيم، قرر منحهم دعماً قوياً يثبت جديته، فمنحهم مقراً رسمياً في جناح داخل قصره الملكي بمنطقة "جبل الهيكل" بجانب المسجد الأقصى. كان الصليبيون في ذلك الوقت يؤمنون أن المسجد الأقصى مبني على أنقاض "هيكل سليمان" القديم، وبسبب وجود مقرهم في هذا المكان، سموا أنفسهم "جنود المسيح الفقراء وهيكل سليمان"، وهو الاسم الذي اختُصر لاحقاً لـ "فرسان الهيكل".ج
وبذلك أصبح لهم اسم ومقر رسمي، لكن الحكاية لم تكن مجرد حماية للحجاج؛ فمنذ اليوم الأول، كان لدى قيادة الجماعة هدف آخر تماماً، هدف سري لم يعرفه أحد لمدة 10 سنوات كاملة، من سنة 1119 إلى 1129 تقريباً. كان شغلهم الشاغل بجانب حماية الطرق هو التنقيب والحفر تحت المسجد الأقصى! كانوا يبحثون عن الآثار المقدسة التي كانوا يؤمنون أنها مدفونة تحت الهيكل المزعوم. وهنا تبدأ الحكاية بأخذ منحنى غامض.. طُرحت نظريات كثيرة حول الموضوع؛ البعض قال إنهم كانوا يبحثون عن "تابوت العهد" وألواح موسى عليه السلام، والبعض قال إنهم يبحثون عن "كنوز سليمان" عليه السلام وخاتمه الأسطوري، والبعض الآخر زعم أنهم وجدوا "كتب السحر" التي كتبها الجن بعد موت سليمان. لكن لم يعرف أحد بشكل قاطع ماذا وجدوا بالضبط في السنوات العشر الأولى من عمر التنظيم.
[الدعم الأوروبي والاعتراف الكنسي]
كان فرسان الهيكل جماعة صغيرة تعيش على التبرعات، ولكي يكبروا وينتشروا كانوا بحاجة لختم وموافقة من أعلى سلطة، وكانت هي الكنيسة الكاثوليكية. وهنا تظهر في المشهد أهم شخصية محورية في مشوار النجاح كله: "برناردو كليرفو".
كان برنارد واحداً من أهم وأبرز رجال الدين في أوروبا، وكانت كلمته مسموعة ولها وزنها عند البابوات والملوك. كان مفكراً وفيلسوفاً ورائداً في الفكر الصوفي المسيحي، بل إنه هو من وضع أسس التصوف الأوروبي التي ظلت تؤثر في الناس لقرون طويلة من بعده. من أهم أعماله كتاب "عن محبة الرب" الذي يقول فيه إن الطريق الوحيد للاتحاد مع الإله هو الحب فقط، بالإضافة لسلسلة من الخطب التي ألقاها عن "نشيد الإنشاد"، والتي حوّل فيها برنارد القصيدة لرحلة صوفية عن اتحاد الروح بالإله من خلال الحب.
تمكن برنارد من توظيف هذه المفاهيم الروحانية ليخلق نموذجاً جديداً تماماً وهو "المحارب الصوفي". يمكننا القول إنه كان المهندس الروحي لفكرة التنظيم، وكان صوتهم في أوروبا. كتب عنهم ودافع عن فكرتهم بكل قوة، وأشهر ما كتبه كان رسالة "في مدح الفروسية الجديدة"، التي قدم فيها تبريراً دينياً وفلسفياً لوجود الراهب المقاتل. وقال إن الفارس حين يقتل، فإنه لا يقتل إنساناً، بل يقتل "الشر" نفسه، ولذلك فإن قتل فرسان المسيح لأعدائهم هو استئصال للشر من جذوره، وبذلك حوّل القتل من خطيئة إلى عمل مقدس.
وبفضل كتاباته وتأثيره الكبير، استطاع إقناع الكنيسة كلها بهم، حتى وقف برنارد بنفسه في مجمع "تروا" الكنسي بفرنسا عام 1129، وقاد رجال الدين للاعتراف رسمياً بتنظيم فرسان الهيكل. وفي هذه اللحظة، فُتحت أبواب أوروبا كلها أمامهم على مصراعيها.
[القوة العظمى والامتيازات]
بعد اعتراف الكنيسة بفرسان الهيكل في مجمع "تروا"، تغيرت حياتهم 180 درجة، وجاء مع الاعتراف حزمة من الامتيازات والصلاحيات التي لم يحلم بها الملوك أنفسهم:
أولاً: أصبحوا تابعين بشكل مباشر للبابا في روما وليس لأي سلطة أخرى، فلا ملك في فرنسا ولا أمير في إنجلترا ولا أسقف في أي مكان يستطيع إعطاءهم أمراً أو محاسبتهم. كانوا يخضعون لقائدهم "الأستاذ الأعظم" الذي يخضع للبابا مباشرة؛ وباختصار، أصبحوا دولة داخل أي دولة هم جزء منها.
أما الامتياز الثاني: فكان الإعفاء الكامل من كل أنواع الضرائب، في الوقت الذي كان فيه الجميع، من أصغر فلاح لأكبر نبيل، يدفعون الضرائب للملوك وللكنيسة، فكانت أي أموال أو أراضٍ أو تبرعات تصل إليهم تبقى معهم، وهذا منحهم قوة اقتصادية جبارة.
أما الامتياز الثالث: فكان حرية التنقل بين الممالك المسيحية في أوروبا دون الحاجة لإذن من أحد، كأنهم دبلوماسيون فوق القانون.
تحول تنظيمهم من "جنود المسيح الفقراء" لإمبراطورية عسكرية ومالية. بعد حصولهم على الاعتراف الرسمي، أصبح لهم زي رسمي؛ الفرسان (النخبة المقاتلة) يرتدون عباءة بيضاء، والرتب الأقل يرتدون عباءات سوداء أو بنية. وفي سنة 1147، أضاف البابا لهم الشعار الذي جعلهم أشهر تنظيم في العالم: "الصليب الأحمر" المرسوم على صدر العباءة، والذي كان يرمز لاستعدادهم للتضحية بدمهم في سبيل الإيمان.
أما طبيعة حياتهم من الداخل فكانت حياة في غاية الصرامة، وكانوا يتبعون دستوراً وقواعد محددة عُرفت باسم "القانون اللاتيني". كان هذا القانون ينظم كل تفصيلة في حياتهم؛ أولاً كان عليهم التعهد بثلاثة عهود أساسية: الفقر والعفة والطاعة. الفقر يعني ألا يمتلك الفارس أي شيء لنفسه، فكل أملاكه وثروته تُسلم للتنظيم فور انضمامه. والعفة تعني ألا يتزوجوا وألا يكون لهم أي علاقة جسدية بالنساء. والطاعة تعني الطاعة العمياء للأستاذ الأعظم. هذا النظام الصارم كان سر قوتهم؛ فالانضباط الحديدي كان المصنع الذي يخرج أشرس المقاتلين الذين عرفتهم العصور الوسطى.
[القوة الضاربة]
تحول فرسان الهيكل بسرعة من مجرد حراس للحجاج إلى القوة الضاربة في قلب الجيوش الصليبية. كانوا في الصفوف الأولى في أي معركة؛ الفرسان المدججون بالدروع الثقيلة على خيول حربية، مهمتهم الأساسية كانت المبادرة بالهجوم الكاسح على أي جيش لكسر الصفوف وزعزعة التماسك. وكانوا يعيشون بعقيدة قتالية فريدة: لا تراجع ولا استسلام تحت أي ظرف، والاتفاق كان واضحاً: الفارس يحارب حتى الموت ولا ينسحب إلا إذا سقط علم التنظيم، والفارس الذي يُؤسر لا يُفتدى، فكان الفارس منهم يعلم أنه إذا هُزم أو أُسر سيموت، فكانوا يقاتلون بشراسة لآخر نفس. وبسبب التدريب القاسي والشجاعة، سبقتهم سمعتهم إلى كل مكان، لدرجة أن المؤرخين المسلمين -وهم أعداؤهم في ساحة المعركة- وصفوهم بأنهم "أشد مقاتلي الفرنجة بأساً".
سنة 1177، وصلت سمعة فرسان الهيكل العسكرية لذروتها، وأصبحوا فيلق النخبة والقوات الخاصة للجيوش الصليبية. وفي هذه السنة حدثت المعركة التي رسخت هذه الأسطورة، وهي "معركة الرملة". تخيل المشهد: جيش المسلمين بقيادة القائد الفذ صلاح الدين الأيوبي، بـ 26 ألف مقاتل حسب بعض الروايات، وفي المقابل قوة من بضعة آلاف من المشاة على رأسهم 500 فارس من فرسان الهيكل. أي شخص سينظر للأرقام سيقول إن النتيجة محسومة وأنها ستكون مجزرة للجيش الصليبي. لكن الذي حدث كان العكس تماماً؛ تمكن الـ 500 فارس من إلحاق هزيمة فادحة بجيش صلاح الدين الأيوبي! صحيح أن المصادر تقول إن هناك أسباباً ساعدت على الهزيمة، مثل إرهاق جيش صلاح الدين من السفر الطويل من مصر لفلسطين، لكن بغض النظر عن الأسباب، كانت النتيجة صادمة: انتصار ساحق لفرسان الهيكل. حين وصل الخبر لأوروبا أصبح حديث الساعة، وكبرت أسطورة الفرسان الذين لا يُهزمون وأصبحوا في عيون الناس أبطالاً خارقين.
لكن الأهم من ذلك كان تأثير المعركة على صلاح الدين نفسه؛ الهزيمة جعلته يدرك أنه لا يحارب جيشاً صليبياً تقليدياً، بل عدواً من نوع جديد: تنظيم متماسك، قوي، مدرب جيداً وعلى أعلى قدر من التنظيم. ومن يومها قرر صلاح الدين الأيوبي أنه يجب أن يجمع كل المعلومات الممكنة عنهم، ويدرس أساليبهم، ويجهز العدة لمعركة حاسمة لا مجال فيها للخطأ. نعم، كانت معركة الرملة قمة المجد العسكري لفرسان الهيكل، لكنها في الوقت نفسه كانت السبب الذي جعل صلاح الدين يضعهم في رأسه ويصر على ضرورة القضاء عليهم تماماً.
[الإمبراطورية المالية]
كما قلنا قبل قليل، كان فرسان الهيكل متعهدين بعهد الفقر، وشعارهم كان "فارسان يركبان حصاناً واحداً". لكن مع تزايد التبرعات التي كانت تصلهم من كل مكان في أوروبا، ومع الأشياء التي وجدوها تحت المسجد الأقصى كما يعتقد بعض المؤرخين، تحولوا في سنين قليلة لأغنى مؤسسة في العالم كله! لدرجة أن الملوك كانوا يستلفون منهم. بل إنهم هم من اخترعوا أول نظام مصرفي دولي في التاريخ!
كانت الفكرة بسيطة وعبقرية: الحجاج المسافرون من أوروبا للقدس كانوا يحملون معهم ذهباً وفضة، فكانوا هدفاً سهلاً للصوص وقطاع الطرق. قدم فرسان الهيكل لهم الحل الذهبي: يستطيع الحاج الذهاب لأي مقر لفرسان الهيكل في بلده مثل باريس أو لندن، يضع أمواله أو ممتلكاته القيمة هناك ويأخذ منهم "وثيقة أو صك اعتماد" مكتوباً فيه قيمة ما أودع، ويسافر رحلته الطويلة دون أن يحمل معه شيئاً يُسرق، وعندما يصل للأراضي المقدسة يذهب لمقر التنظيم هناك ويعطيهم الصك ويأخذ ما يساوي قيمة وديعته. هذا النظام لم يحمِ الحجاج فقط، بل فتح على فرسان الهيكل أبواب ثروة لا تنتهي من خلال الرسوم التي كانوا يأخذونها. ومع الوقت تطور الموضوع وأصبحوا البنك الرئيسي لأوروبا كلها.. النبلاء الذاهبون للحروب يتركون أملاكهم وأراضيهم تحت إدارة التنظيم، والملوك أصبحوا يستلفون منهم لتمويل الحروب. وهكذا لم يعد فرسان الهيكل قوة عسكرية فحسب، بل أصبحوا إمبراطورية مالية ضخمة تمتلك أراضي ومزارع وأساطيل بحرية وتتحكم في أوروبا كلها.
لم تكن الثروة الضخمة التي جمعها فرسان الهيكل مجرد أموال سائلة في الخزائن، بل كانت إمبراطورية متكاملة الأركان: آلاف القلاع والقصور والمساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية، محطات وموانئ بحرية، ورش صناعية، وأصبح لديهم أسطول بحري خاص بهم كان واحداً من أكبر الأساطيل في العالم وقتها، وكانوا يستخدمونه في نقل البضائع والتجارة وتأمين الطرق البحرية. هذا الوضع الاقتصادي منحهم قوة رهيبة جعلت عروش الملوك الأوروبيين تهتز أمامهم. صرفوا جزءاً كبيراً من ثروتهم في بناء القلاع والحصون الضخمة على طول سواحل الشام مثل "قلعة صفد" و"قلعة الحصن" التي لا تزال آثارها موجودة حتى اليوم. كانت القلاع من الداخل أشبه بمدن كاملة: مخازن، إسطبلات، كنائس، وقاعات ضخمة، وكانت كل قلعة منهم كأنها دولة صغيرة تدير نفسها بنفسها، ولهذا وصفهم بعض المؤرخين بأنهم "أول شركة متعددة الجنسيات في التاريخ". لكن هذه القوة لم تأتِ دون حسد.. كان النبلاء يرونهم منافسين لهم، والملوك يخافون من نفوذهم الذي زاد عن حده، بل إن بعض رجال الدين من الكنيسة رأوا أن فرسان الهيكل أصبحوا أكبر بكثير من مجرد تنظيم ديني وأن قوتهم أصبحت تهديداً لسلطة الكنيسة نفسها.
[نهاية الوجود في المشرق]
على الرغم من كل القوة العسكرية والاقتصادية التي وصل إليها فرسان الهيكل، وكل الانتصارات التي حققوها ضد المسلمين، إلا أن التاريخ كان يخبئ لهم صداماً كبيراً سيكون نقطة تحول في تاريخهم ومصيرهم. بعد هزيمته في الرملة، بدأ صلاح الدين الأيوبي كما قلنا يجهز العدة ويخطط للمعركة الحاسمة، وجاءت اللحظة المناسبة سنة 1187.. معركة "حطين".
استغل صلاح الدين الأيوبي حالة الشقاق التي كانت بين الصليبيين وجمع جيشاً ضخماً من المسلمين وصل تعداده لأكثر من 45 ألف مقاتل، رقم ضخم جداً وقتها. وحشد الصليبيون بقيادة ملك القدس وقتها "جيدو لوزينيان" ومعه فرسان الهيكل جيشاً أكبر: 63 ألف مقاتل، والأصعب أن أكثر من نصفهم كانوا من فرسان الهيكل! لكن الواضح أن الصليبيين كانوا واثقين في أنفسهم لدرجة أنهم ارتكبوا غلطة فادحة: تركوا ينابيع المياه وتوغلوا في الأراضي الجافة تحت شمس يوليو الحارقة. حاصرهم صلاح الدين بخبرته العسكرية وقطع عنهم المياه، وكانت النتيجة انتصاراً ساحقاً لجيش المسلمين. يقول المؤرخون الأوروبيون أنفسهم إن صلاح الدين الأيوبي أطلق سراح معظم الأسرى ما عدا فرسان الهيكل.. قرر أن يقضي عليهم تماماً! كانت هزيمة حطين الساحقة بداية النهاية للوجود الصليبي كله في الشرق الأوسط.
بعد هذا الانتصار الكبير، فُتح الطريق أمام صلاح الدين الأيوبي ليستعيد المدن التي كانت تحت سيطرة الصليبيين، بدأ بالمدن الساحلية وحرر كل المدن التي استطاع عليها، بعدها اتجه مباشرة ناحية القدس. عرض على أهلها الاستسلام مقابل الأمان والحفاظ على أرواحهم، إلا أن الصليبيين وقتها رفضوا، غالباً كانوا يظنون أنه سيغدر بهم وينتقم منهم كما فعلوا هم بسكان القدس حين احتلوها. وعليه، في سبتمبر 1187، بدأ صلاح الدين الأيوبي الهجوم، قاوم الصليبيون بشراسة لكن جيش المسلمين تمكن من الوصول للسور الشمالي واختراقه. وهنا أدرك قائد الصليبيين وقتها "باليان دي إيبلين" أن المدينة ستسقط لا محالة وأن المقاومة لا جدوى منها، فأرسل لصلاح الدين الأيوبي وعرض عليه الاستسلام مقابل الأمان.. نفس الاستسلام الذي عرضه صلاح الدين عليهم ورفضوه! لكن صلاح الدين الأيوبي وافق، وسمح لكل أهلها -مدنيين وجنوداً وفرساناً- بالخروج مقابل فدية. كتب بعض المؤرخين أن من لم يكن يملك دفع الفدية، كان صلاح الدين الأيوبي يدفعها عنه. وفي يوم 2 أكتوبر 1187، دخل صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس وحررها بعد 88 سنة من الوجود الصليبي.
سقوط القدس لم يكن مجرد خسارة عسكرية لفرسان الهيكل، بل كان ضياعاً لأهم سبب لوجودهم أصلاً وهو حماية الأراضي المقدسة. بعد هزيمة حطين وسقوط القدس، حاول فرسان الهيكل لملمة شتاتهم مرة أخرى؛ انضموا للحملة الصليبية الثالثة التي قادها ملك إنجلترا "ريتشارد قلب الأسد" في محاولة لاستعادة القدس مرة أخرى، لكنهم فشلوا في المحاولة. صحيح أنهم أظهروا شجاعة وبسالة في المعارك التي خاضوها وكان ريتشارد نفسه يعتمد عليهم بشكل كبير، إلا أن حلم استعادة القدس أصبح بعيد المنال. ومع مرور الوقت وظهور قوة المماليك في مصر والشام، بدأ نفوذهم العسكري يتراجع خطوة بخطوة، وانتقل مقرهم الرئيسي من القدس إلى عكا على الساحل، وأصبحت عكا هي آخر وأهم معقل للصليبيين في الشرق كله، ومنها سيلملمون جراحهم ويحاولون الانطلاق مرة ثانية ليستعيدوا الأراضي من المسلمين.
لكن المماليك بقيادة السلطان "الأشرف خليل بن قلاوون" كان لهم رأي آخر.. كان السلطان خليل مصمماً على تطهير بلاد الشام من الوجود الصليبي بالكلية، حتى جاء سنة 1291 ليوجه لهم الضربة القاضية. حاصر السلطان خليل مدينة عكا بجيش ضخم من البر والبحر، ودافع فرسان الهيكل عن المدينة بكل قوتهم، لكن جيش المسلمين كان أقوى، وبعد حصار عنيف تمكن المماليك من اختراق أسوار المدينة ودارت معركة دموية في شوارع عكا، قُتل فيها قائد فرسان الهيكل وقتها، وبسقوط عكا انتهى الوجود الصليبي في المشرق بشكل شبه كامل.
[الخاتمة والمحاكمة]
بعد عودة فرسان الهيكل إلى أوروبا، وجدوا أنفسهم في وضع غريب.. كانوا لا يزالون تنظيماً قوياً وغنياً جداً، لديهم شبكة مالية واسعة وقلاع وأراضٍ في كل مكان، لكن مبرر وجودهم الأصلي وهو الحرب في الأراضي المقدسة اختفى تماماً! قوة عسكرية ضخمة بلا معارك، وإمبراطورية اقتصادية بلا حدود. وهنا بدأت الأنظار كلها تتجه إليهم، وأكثر من كان يراقبهم هو ملك فرنسا وقتها "فيليب الرابع" أو "فيليب الوسيم".
كان الملك فيليب غارقاً في الديون، فحروبه التي لا تنتهي كانت مكلفة جداً وخزنة المملكة دائماً فارغة، ومعظم ديونه كانت لفرسان الهيكل. تحول وجودهم بالنسبة له لتهديد كبير.. ليس فقط لأنه مديون لهم، بل لأنهم أصبحوا دولة داخل دولته، وخصوصاً أن جزءاً كبيراً منهم استقر في فرنسا، وفي الوقت نفسه لا يخضعون لقوانينه ولا يسمعون كلام أحد غير البابا. فبدأ فيليب يدبر مكيدة ليتخلص منهم، يمسح بها ديونه ويستولي على إمبراطوريتهم المالية. زرع جواسيسه داخل التنظيم، وعاد الجواسيس بتقارير أغرب من الخيال! نعم، لا يمكننا الجزم بأنها حقيقية، لكن المؤرخين انقسموا حول هذه التقارير؛ البعض قال إنها حقيقية والبعض الآخر قال إنها ملفقة. قالت التقارير إن الجواسيس اكتشفوا ممارسات سرية تحدث داخل المقرات مثل: انتشار الفواحش، الشذوذ الجنسي، استخدام الرموز اليهودية، تنفيذ طقوس السحر، البصق على الصليب، بل إن بعض الجواسيس زعموا أنهم يعبدون الشيطان الأكبر "لوسيفر" عن طريق عبادة الصنم "بافومت". وكانت هذه التقارير هي الفرصة الذهبية التي كان فيليب ينتظرها.
في فجر يوم الجمعة 13 أكتوبر سنة 1307، بعد حوالي قرنين من تأسيس التنظيم، نفذ الملك فيليب الرابع خطته التي كان يحضر لها منذ فترة.. تحركت قواته في كل مكان في فرنسا في عملية عسكرية منسقة وسرية بشكل مذهل، هاجموا مقرات فرسان الهيكل من أكبر القلاع لأصغر البيوت، وفي يوم وليلة تحول أعظم تنظيم عسكري في العصور الوسطى لمجرد أسرى مقيدين بالسلاسل! قُبض على المئات وربما الآلاف من فرسان الهيكل وعلى رأسهم الأستاذ الأعظم "جاك دي مولاي"، وصودرت كل ممتلكاتهم وأراضيهم وأموالهم فوراً، وتحول فرسان الهيكل في عيون الناس من مجموعة من القديسين إلى أعداء للإيمان وعبدة للشيطان، وهنا بدأت صفحة المحاكمات التي عُرفت باسم "محاكم التفتيش".
السؤال الذي يطرح نفسه الآن: أين البابا؟ رأس الكنيسة الذي يُفترض أن هؤلاء يتبعونه، ما كان دوره في هذه القصة كلها؟ لنفهم موقف البابا يجب أن نعرف ماذا فعل الملك فيليب الرابع قبل أن يستهدف فرسان الهيكل.. استهدف الكنيسة! أرسل مجموعة من فرسانه واعتقلوا البابا من قلب روما وجلبوه مقيداً إلى باريس، وبعدها عين مكانه بابا جديداً على هواه وهو "البابا كليمنت الخامس". لذا، عندما تحرك الملك فيليب للقضاء على فرسان الهيكل، لم يكن لدى البابا كليمنت أصلاً خيار ليرفض أو يوافق! في البداية فوجئ بحملة الاعتقالات وحاول سحب التحقيقات من يد الملك لتكون تحت سلطة الكنيسة، لكن غالباً كان هذا مجرد غطاء ليعطي للمحاكمات شكلاً شرعياً. والدليل على ذلك أن التحقيقات التي حدثت خارج فرنسا لفرسان الهيكل الذين كانوا في أماكن مثل إنجلترا أو إسبانيا، والتي لم يكن للملك فيليب سلطة عليها، أثبتت براءة أغلبهم! هل لأن التحقيقات كانت فعلاً ملفقة من الملك، أم لأن فرسان الهيكل كانوا قد اشتروا الدول الأخرى؟ لا نعرف بالضبط. استمرت التحقيقات والمحاكمات لسنوات طويلة، من سنة 1307 ميلادية حتى 1312، ليخرج في النهاية البابا "كليمنت الخامس" ويعلن رسمياً حل تنظيم فرسان الهيكل بموجب مرسوم باباوي نهائي لا رجعة فيه إلى الأبد.
على الرغم من حل التنظيم رسمياً سنة 1312، إلا أن الفصل الأخير من الحكاية لم يُكتب بعد. "جاك دي مولاي"، آخر أستاذ أعظم لفرسان الهيكل، كان محكوماً عليه بالسجن مدى الحياة، لكن في يوم 18 مارس 1314 ميلادية، أُحضر هو وواحد من كبار مساعديه ليعترفوا مرة أخرى أمام الناس بكل الجرائم التي لُفقت لهم وتُغلق الحكاية. لكن ما حدث كان مفاجأة.. حين وقف جاك أمام الحشود، بدلاً من تكرار الاعتراف، صرخ بأعلى صوته بأن كل اعترافاته القديمة كانت كذباً، وأنها أُخذت منه تحت التعذيب! وقال إن ذنبه الحقيقي هو أنه كذب على الكنيسة وعلى نفسه لينجو بحياته، وإنه مستعد للموت ليتراجع عن هذه الكذبة. كان الموقف تحدياً مباشراً لسلطة الملك فيليب الذي كان حاضراً أصلاً بنفسه، وحينها جُن جنون الملك من الغضب واعتبر أن جاك بكلامه عاد مرة أخرى للهرطقة وأعلن إعدامه فوراً.. وفي نفس اليوم أُقيمت محرقة ضخمة وأُحرق جاك دي مولاي حياً أمام الناس جميعاً.
لو ظننتم أن القصة انتهت هنا، فما زال هناك فصل آخر.. الحقيقة أن هذه النهاية كانت مجرد بداية لواحد من أكبر الألغاز في التاريخ. لنحسبها بالعقل: عدد الفرسان الذين حوكموا وأُعدموا في فرنسا كان بضع مئات، في حين أن المصادر التاريخية تقول إن أعضاء التنظيم في ذروة قوته كانوا يتراوحون بين 20 ألفاً إلى 30 ألف عضو! فأين ذهب كل هؤلاء الناس؟ الإجابة ببساطة أنهم اختفوا في نفس الليلة التي قُبض فيها على القادة.. اختفى آلاف الفرسان وكأنهم فص ملح وذاب! ولم يختفِ الفرسان فقط، بل اختفى معهم كل شيء آخر؛ الوثائق، السجلات المالية، الأرشيف السري الذي يحتوي على أسرارهم طوال القرنين، كله اختفى! والأهم من ذلك ثروتهم الأسطورية؛ فرجال الملك فيليب حين اقتحموا المقر الرئيسي في باريس لم يجدوا فيه كنوزاً ولا ذهباً، كانت الخزائن كلها فارغة! وحتى أسطولهم البحري الضخم -الذي كان يُعتبر من أكبر أساطيل العالم وقتها، والذي كان راسياً في ميناء "لاروشيل" في فرنسا- أبحر في ليلة الاعتقالات واختفى في المحيط! ولم يعرف أحد إلى أين ذهب أو ماذا كان يحمل.
الآن السؤال الذي يحير أي شخص يقرأ أو يسمع عن فرسان الهيكل هو: هل انتهت قصتهم فعلاً عند محرقة باريس؟ يعني هل يختفي تنظيم بكل هذه القوة والثروة والغموض في يوم وليلة بقرار من ملك؟ الإجابة أن تنظيمهم حُل رسمياً ولم يعد له وجود، لكن على أرض الواقع القصة لها فصول أخرى كُتبت في السر! كما قلنا قبل قليل، هرب آلاف الفرسان وتشتتوا في كل مكان في أوروبا. جزء منهم اندمج مع تنظيمات أخرى مثل "فرسان مالطا"، الذين يعتبرون المنظمة التوأم لفرسان الهيكل، ولا يزال هؤلاء الفرسان موجودين حتى اليوم، وليسوا موجودين فقط، بل معترف بهم في الأمم المتحدة كدولة ذات سيادة بلا أرض، ومقرهم الحالي في روما. أما في البرتغال فقد رفض الملك أصلاً حل التنظيم، واكتفى بجعلهم يغيرون اسمهم لـ "فرسان المسيح" وظلوا محتفظين بالقلاع والأملاك حتى أواخر القرن السادس عشر.
لكن الأسطورة الأكبر واللغز الأعظم مع الفرسان الذين هربوا إلى اسكتلندا.. مكان خارج سلطة البابا والكنيسة تماماً، وهناك في الأراضي البعيدة وجدوا الملاذ الآمن الذي سيسمح لهم بالبدء من جديد لكن هذه المرة في السر. كان الفرسان الذين هربوا إلى اسكتلندا هم صفوة التنظيم، خرجوا إلى هناك ومعهم الأسرار والكنوز والخبرة، والأهم من ذلك كله الدرس الذي تعلموه بدمائهم، وهو أن "القوة الحقيقية يجب أن تبقى في الخفاء". لذلك قرروا إعادة تنظيم أنفسهم تحت ستار جديد وفي سرية تامة، استقروا في اسكتلندا، وشكلوا طبقة جديدة من النبلاء، وهناك ظهر أول محفل في التاريخ لمنظمة جديدة اسمها "البناؤون الأحرار" أو كما يعرفهم العالم كله الآن باسم "الماسون".
يقول بعض المؤرخين إن فرسان الهيكل هم أنفسهم البناؤون الأحرار، وهم من أسسوا المحفل الاسكتلندي أو أول محفل ماسوني في التاريخ. وبدل العودة باسم فرسان الهيكل الذي أصبح ملعوناً في أوروبا كلها، تبنوا اسماً جديداً وله معنى رمزي: "البناؤون" كإشارة لهدفهم القديم بإعادة بناء هيكل سليمان، و"الأحرار" كإشارة لتحررهم من سلطة الكنيسة والملوك. لكن الجديد أن القيادة هذه المرة ستكون وراء الستار، لا يعرفها أحد، ولا يمكن لأحد الوصول إليها، ليبقى العقل المدبر دائماً في أمان.
الآن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الدليل على أن الماسونية امتداد لفرسان الهيكل؟ والإجابة على هذا السؤال موجودة في الأشياء التي تركوها وراءهم في الإرث المشترك الذي يربط بين التنظيمين:
أول وأوضح دليل هو الرموز الكثيرة التي تستخدمها الماسونية حتى اليوم، والتي لها جذور مباشرة في رموز فرسان الهيكل أو فكرة هيكل سليمان التي تُعتبر محوراً أساسياً في الفكر الماسوني، ورموز أخرى مثل تابوت العهد والكأس المقدسة. وإن شاء الله حين نعمل حلقة عن الماسونية تحديداً سنتوسع في الكلام عن كل شيء.
والدليل الثاني هو الطقوس.. بعض الدرجات العليا من الماسونية تمارس طقوساً تحاكي بشكل مباشر تاريخ وطقوس فرسان الهيكل، بل إن هناك هيئات ماسونية كاملة اسمها مستوحى منهم مثل "تنظيم المعبد" الذي يعتبر نفسه الوريث المباشر لفرسان الهيكل الآن.
لكن مع ذلك، يقول مؤرخون آخرون إن العلاقة ليست علاقة نسب مباشر، بل يرون أن الماسونية هي "الوريث الروحي" بل والتنظيمي لفرسان الهيكل.. أي أن الماسون الأوائل استفادوا من كل شيء فعله فرسان الهيكل أنفسهم، أخذوا منهم البنية التنظيمية الهرمية، التدريب العسكري، الإدارة المالية، ونقلوا كل ذلك للأجيال الجديدة، وأضاف الماسون الرموز والعادات والطقوس المرتبطة بطقوس فرسان الهيكل ليضفوا على تنظيمهم هالة من الغموض والقدم والعراقة. والحقيقة، سواء كانت الماسونية هي الامتداد الفعلي للفرسان أو تنظيماً استعار أسطورتهم، فالنتيجة واحدة: إرث فرسان الهيكل لم يبقَ مجرد حكاية في كتب التاريخ، بل أصبح جزءاً حياً من عالم الجماعات السرية حتى اليوم، وتحول إرثهم إلى نهر متدفق من الأساطير والأسرار، وأصبح اسمهم مرتبطاً بكل نظريات المؤامرة التي نسمع عنها.
وبهذا نصل لنهاية الحكاية.. أنتظر رأيكم، وشيروا المقال لأي حد تحسون إنه سيعجبه..








