أنزل الله عز وجل القرآن الكريم ليظل حجة باقية على مر العصور، وكلما تقدم العلم وتكشفت أسرار الكون، كلما تجلت آيات الله الواضحة في كتابة الحكيم. ومن أبرز الشواهد على ذلك، تلك الإشارات العلمية الدقيقة التي وردت في طيات الآيات، والتي عجز البشر عن إدراك كنهها إلا بعد قرون طويلة من التقدم التكنولوجي والبحث العلمي المعقد. ومن أعظم هذه الآيات قوله تعالى في سورة الطور: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} [الطور: 6].
المعنى اللغوي لـ "المسجور"
في معاجم اللغة العربية، حملت لفظة "المسجور" معانٍ متعددة تدور حول الإيقاد والتسجير. يقال سجر التنور أي أوقده وحماه حتى اشتعلت حرارته، والبحر المسجور هو البحر الموقد بالنيران أو المحمى. وقد ذهب بعض المفسرين القدامى إلى تفسيرات مجازية أو مرتبطة بأهوال يوم القيامة، غير أن الاكتشافات العلمية الحديثة أثبتت وجود معنى حقيقي ومادي مذهل لهذه الكلمة في قاع المحيطات العميقة.
الحقيقة العلمية:
لفترات طويلة، كان التصور البشري السائد أن الماء يطفئ النار، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يجتمع الماء والنار في مكان واحد، فضلاً عن أن يكون قاع المحيط عبارة عن فرن ملتهب. لكن مع تطور أبحاث علم الجيولوجيا واكتشاف ما يُعرف بـ Mid-Ocean Rifts (الوديان العميقة في منتصف المحيطات والشق الأعظم في منتصف المحيط الأطلسي)، تبين أن قيعان جميع المحيطات متوقدة ناراً.
تمثل هذه المناطق نقاط التقاء للألواح القارية، وتحيط بها ارتفاعات جبلية شاهقة في قاع المحيط لكن قممها تبقى دون سطح الماء. وتندفع من هذه الصدوع صهارة صخرية تُعرف بـ Magma، وتتفوق درجة الحرارة في تلك المناطق البركانية النشطة على ألف درجة مئوية. وعلى الرغم من ضخامة كميات المياه وهائل حرارة الصهارة، فإن الماء لا يطفئ جذوة الحرارة، ولا الصهارة تستطيع تبخير هذا الكم الهائل من الماء، في تناغم كوندي مذهل يعد من أكثر ظواهر الأرض إبهاراً للعلماء.
مشاهدات الغواصات العميقة
لم تكن هذه الحقائق تُمكتشف بالنظر المجرد أو بالوسائل التقليدية، بل تطلبت غوصاً في أعهق غياهب المحيطات. فقد قام الباحثون أناتول سجابفتيش، ويوري بجدانوف، ورونا كلنت بالغوص على بعد 1750 كيلومتراً من شاطئ ميامي، وعلى عمق يزيد عن 3 كيلومترات تحت سطح البحر، مستخدمين الغواصة الحديثة "ميرا".
وهناك في قاع المحيط، شاهد الباحثون حمم القاع بأعينهم، وسجلت أجهزة القياس خارج كوة الغواصة درجة حرارة بلغت 231 درجة مئوية، بينما كانت الينابيع الملتهبة تتفجر من تحتهم بصورة مذهلة.
وجه الإعجاز العلمي والقرآني
ثبت علمياً بعد بحوث متعددة ومشاهدات في الأعماق بواسطة الغواصات المتطورة جداً، أن أعماق المحيطات تحوي براكين ملتهبة تفوق في عددها وأعنف نشاطاً نظيراتها على سطح اليابسة. ومن هنا تظل قيعان البحار ملتهبة ومتأججة بالنيران رغم غمرها بالمياه.
ولم يتوصل العلم الحديث إلى هذه الحقيقة المذهلة بكل تفاصيلها إلا في أواخر السبعينيات وأوائل الثمينات من القرن العشرين، مع تطور تقنيات الغوص العميق والجيولوجيا البحرية. وعليه، فإن هذا السبق القرآني العظيم في الإشارة إلى هذه الحقيقة المدفونة في ظلمات قيعان المحيطات عبر آية {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} يعد دليلاً ساطعاً وبرهاناً قطعياً على صدق النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أنزل عليه الوحي من عليم خبير بأسرار الكون وخلقه


