لطالما كان تحديد هوية الإنسان أحد أهم أهداف علوم الأدلة الجنائية، فمن خلاله يستطيع المحققون ربط المشتبه بهم بمسرح الجريمة أو استبعادهم منه. وعلى الرغم من أن بصمات الأصابع والحمض النووي (DNA) يُعدان من أكثر وسائل التعرف على الهوية دقةً واعتمادًا، فإن التقدم العلمي أثبت أن أجزاءً أخرى من جسم الإنسان تحمل خصائص فريدة يمكن الاستفادة منها في التحقيقات الجنائية، ومن أبرزها بصمات الشفاه.
ويُعرف العلم الذي يختص بدراسة بصمات الشفاه باسم Cheiloscopy، وهو أحد فروع طب الأسنان الشرعي الذي يهتم بدراسة الأخاديد والتجاعيد الموجودة على الحافة الحمراء للشفاه وتحليلها ومقارنتها. وقد أثبتت العديد من الدراسات أن هذه الأخاديد تمتلك أنماطًا مميزة تختلف من شخص إلى آخر، الأمر الذي يجعلها ذات قيمة كبيرة في مجال تحديد الهوية، خاصة عندما تكون الأدلة الأخرى محدودة أو يصعب الحصول عليها.
ما هي بصمة الشفاه؟
بصمة الشفاه هي الانطباع الذي تتركه الشفاه عند ملامستها لسطح معين، سواء كان زجاجًا، أو ورقًا، أو معدنًا، أو قماشًا، أو أي مادة أخرى. وينتج هذا الأثر عن الأخاديد والتجاعيد الطبيعية الموجودة على الحافة الحمراء للشفاه، والتي تُعرف باسم Sulci Labiorum.
وتتميز هذه الأخاديد بأنها تتكون خلال مراحل مبكرة من نمو الجنين، وتظل ثابتة نسبيًا طوال حياة الإنسان، ولا تتغير إلا في حالات الإصابات البالغة أو العمليات الجراحية التي تؤثر في نسيج الشفاه. كما تختلف في شكلها وعددها واتجاهها وتفرعاتها بين الأفراد، وهو ما يمنح كل شخص نمطًا خاصًا يكاد يكون فريدًا.
التطور التاريخي لعلم بصمات الشفاه
بدأ الاهتمام العلمي ببصمات الشفاه في أوائل القرن العشرين، عندما وصف الباحث ر. فيشر عام 1902 الأخاديد الموجودة على الشفاه باعتبارها ظاهرة تشريحية تستحق الدراسة. وفي عام 1932 أوصى عالم الجريمة الفرنسي إدموند لوكارد بإمكانية الاستفادة منها في تحديد هوية الأشخاص.
وخلال خمسينيات القرن الماضي اقترح لو موين سنايدر استخدامها في التحقيقات الجنائية، ثم جاءت أبحاث مارتينز سانتوس وسوزوكي وتسوتشيهاشي لتضع أولى أنظمة التصنيف العلمي لبصمات الشفاه، وهو النظام الذي لا يزال يُستخدم في العديد من الدراسات حتى اليوم.
وفي عام 1972 أثبتت دراسة أجريت على توائم متطابقين أن بصمات شفاههم ليست متطابقة، مما عزز الاعتقاد بأن لكل إنسان بصمة شفاه خاصة به.
خصائص بصمات الشفاه
تمتلك بصمات الشفاه عدة خصائص تجعلها ذات أهمية في الأدلة الجنائية، ومن أهمها:
- اختلافها من شخص إلى آخر.
- ثبات نمط الأخاديد نسبيًا طوال الحياة.
- إمكانية العثور عليها في العديد من مسارح الجرائم.
- سهولة تصويرها ورفعها وتحليلها باستخدام وسائل مختلفة.
- إمكانية مقارنتها ببصمات المشتبه بهم للمساعدة في تحديد الهوية.
ومع ذلك، فإن دقتها قد تتأثر بعوامل مثل ضغط الشفاه على السطح، أو اتجاهها، أو جفافها، أو نوع السطح الذي لامسته.
تصنيف بصمات الشفاه
يُعد تصنيف سوزوكي وتسوتشيهاشي الأكثر انتشارًا، ويقسم الأخاديد إلى:
- النوع الأول: خطوط رأسية كاملة تمتد بطول الشفة.
- النوع الأول (المعدل): خطوط رأسية قصيرة لا تمتد بطول الشفة بالكامل.
- النوع الثاني: خطوط متفرعة.
- النوع الثالث: خطوط متقاطعة.
- النوع الرابع: خطوط شبكية.
- النوع الخامس: أنماط غير منتظمة لا تنتمي إلى أي من التصنيفات السابقة.
ويساعد هذا التصنيف خبراء الأدلة الجنائية على مقارنة البصمات المرفوعة من مسرح الجريمة مع بصمات الأشخاص المشتبه بهم.
كيف تُجمع بصمات الشفاه؟
تعتمد طريقة جمع البصمة على طبيعة الأثر الموجود. فإذا كانت البصمة مرئية نتيجة استخدام أحمر الشفاه، يمكن تصويرها مباشرة أو نقلها إلى ورق خاص للمقارنة. أما إذا كانت كامنة وغير مرئية، فيستخدم خبراء الأدلة الجنائية مساحيق إظهار البصمات التقليدية أو المساحيق المغناطيسية، بالإضافة إلى وسائل التصوير الرقمي عالية الدقة التي تساعد في إظهار أدق تفاصيل الأخاديد.
أين يمكن العثور على بصمات الشفاه؟
قد توجد بصمات الشفاه على العديد من الأشياء الموجودة داخل مسرح الجريمة، مثل:
- أكواب وأكواب القهوة.
- الزجاجات.
- أعقاب السجائر.
- الأطباق والملاعق.
- النوافذ والأبواب الزجاجية.
- الرسائل والمظاريف.
- المناديل الورقية.
- الأكياس البلاستيكية.
- مستحضرات التجميل.
- بعض الأطعمة أو المنتجات الغذائية.
لذلك يحرص خبراء الأدلة الجنائية على فحص هذه الأدوات بعناية، لأنها قد تحمل دليلًا مهمًا يربط شخصًا معينًا بمكان الجريمة.
استخدام بصمات الشفاه في كشف الجرائم
تلعب بصمات الشفاه دورًا مهمًا في العديد من القضايا الجنائية، خاصة عندما يترك الجاني أثر شفتيه دون قصد أثناء ارتكاب الجريمة.
في جرائم القتل قد يشرب الجاني من كوب أو زجاجة داخل مكان الحادث، أو يدخن سيجارة ويترك عقبها، فتظل بصمة شفتيه على هذه الأدوات، مما يساعد المحققين في ربطه بمسرح الجريمة.
وفي جرائم السرقة والسطو قد يستخدم الجاني كوبًا أو يفتح نافذة زجاجية أو يترك أثرًا على باب أو مرآة، فتظهر بصمات الشفاه بعد معالجتها بمواد خاصة، لتصبح دليلًا يضاف إلى بقية الأدلة.
أما في جرائم الاعتداء الجنسي فقد تُعثر على آثار للشفاه على جسد الضحية أو ملابسها أو على أشياء استخدمت أثناء الجريمة، وهو ما قد يدعم التحقيق عند مقارنته ببصمات المشتبه بهم، إلى جانب تحليل الحمض النووي.
كما قد تُستخدم في قضايا الاختطاف واحتجاز الرهائن إذا تناول الجاني طعامًا أو شرابًا داخل مكان الاحتجاز، أو في جرائم الابتزاز والتهديد عندما يترك أثرًا على رسالة أو ظرف أو جسم أرسله إلى الضحية.
ورغم أهمية هذه التطبيقات، فإن بصمات الشفاه تُستخدم غالبًا كوسيلة داعمة للأدلة الأخرى، ولا يعتمد عليها وحدها لإثبات الإدانة.
القيمة القانونية
شهدت بعض المحاكم قبول شهادات الخبراء المتعلقة ببصمات الشفاه، ومن أشهرها قضية في ولاية إلينوي الأمريكية عام 1999، حيث اعتبرت المحكمة أن شهادات الخبراء في هذا المجال مقبولة علميًا في ظروف القضية. ومع ذلك، لا يزال استخدامها يختلف من دولة إلى أخرى، كما يؤكد كثير من الباحثين على ضرورة توحيد طرق جمعها وتحليلها قبل اعتبارها دليلًا مستقلًا في جميع المحاكم.
مميزات بصمات الشفاه
- وسيلة غير مكلفة نسبيًا.
- يمكن العثور عليها بسهولة في كثير من مسارح الجرائم.
- تساعد في تضييق دائرة الاشتباه.
- تفيد عندما تكون بصمات الأصابع غير متوافرة.
- تمثل إضافة مهمة إلى وسائل الإثبات الجنائي الأخرى.
التحديات والقيود
رغم أهميتها، تواجه بصمات الشفاه عدة تحديات، منها تأثر شكل البصمة بالضغط وزاوية الملامسة ونوع السطح، إضافة إلى احتمال تشوهها بفعل الحرارة أو الرطوبة أو الاحتكاك. كما أن قواعد البيانات الخاصة ببصمات الشفاه ليست منتشرة بالقدر نفسه الذي توجد به قواعد بيانات بصمات الأصابع، لذلك يظل استخدامها محدودًا مقارنة بوسائل التعرف الأخرى.
أثبت علم بصمات الشفاه أن الأدلة الجنائية لا تقتصر على بصمات الأصابع أو الحمض النووي فقط، بل إن أثرًا بسيطًا قد يتركه الإنسان على كوب أو نافذة أو رسالة قد يصبح مفتاحًا لحل لغز جريمة معقدة. ومع استمرار تطور تقنيات التصوير والتحليل الرقمي، وتزايد الدراسات التي تهدف إلى توحيد طرق الفحص والمقارنة، يُتوقع أن يزداد الاعتماد على بصمات الشفاه في المستقبل باعتبارها وسيلة علمية مساندة تسهم في كشف الحقيقة وتحقيق العدالة، جنبًا إلى جنب مع باقي وسائل الإثبات الجنائي الحديثة.





